اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
287
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
ومن المؤكد أن الإدريسى لم يجد تحت تصرفه مادة مفصلة عن كل البلاد كما وجد عن البلقان . فمعلوماته عن الروس مثلا إنما هي تكرار لروايات ابن حوقل والجيهانى ، وهو يقسمهم إلى ثلاث قبائل 107 ، ولا يذكر من مدتهم الكبرى إلى جانب كييف ونوفغورود Novgorod إلا اسمولنسك Smolensk 108 التي حاول البعض أن يبصر فيها مدينة تموتاركان Tmutarakan 109 . وقد جاءت روايته على درجة من الضحالة حتى أنها لا تسمح بفهم ألفاظ أحد البحاثة الذي صرح بأن الخوارزمي هو مصدر الإدريسى عن أوروبا الشمالية والشرقية 110 . فإذا ما انتقلنا إلى الأقطار غير الأوروبية فإن الإدريسى لم يكن يعرفها معرفة مباشرة باستثناء أفريقيا الشمالية ، بل ولم يستطع أن يجمع عنها مادة حافلة كالتي جمعها عن أوروبا بفضل استفهاماته وأسئلته المتواصلة . ويجب الاعتراف بأن مادته في هذا الصدد ليست بذات قيمة تذكر ، بل إن الكثرة الغالبة من البحاثة لا تعترف لها بأية قيمة إطلاقا . ويرى نالينو أن تخطيط بلاد آسيا وأفريقيا غير الإسلامية عند الإدريسى إنما يعتمد على بطلميوس الذي استعمله في الترجمات والتعديلات العربية 111 . وإلى هذه النتيجة نفسها وصل مجيك الذي بين أن الإدريسى إنما يعتمد اعتمادا كليا على بطلميوس في معلوماته عن داخل أفريقيا بحيث يضحى من العسير اعتباره مصدرا مستقلا فيما يختص بتلك المناطق 112 . وعلى الرغم من قسوة هذه الأحكام إلا أنه من المستطاع أحيانا تلمّس بعض - - فوائد معينة لديه ، فبعض مؤرخي الجغرافيا يرى أن الأدريسى في وصفه لأفريقيا لم يترسم خطى بطلميوس دون وعى ؛ فوصفه لمجرى « النيل الغربى » ، أي نهر النيجير Niger ، قد وكدت صحته الاكتشافات الجغرافية في القرن التاسع عشر . وهو على معرفة جيدة بالتجارة مع داخل أفريقيا وقد أورد أسماء المراكز التي ازدهرت فيها الحضارة الإسلامية في ذلك الوقت مثل غانا وسلّا وتكرور 113 . أما اعتماده على بطلميوس فيما يتعلق ببلاد الشرق الأقصى فأمر لا يرقى إليه الشك ، وقد أثبت هذه الحقيقة بعد تحليل معلوماته عن الصين مثلا كل من ريختهوفن Richthofen 114 ويول Yule . ومعلوماته عن جنوب شرقي آسيا بما في ذلك الهند ضحلة للغاية ويشوبها الاضطراب 115 ؛ وكثير من الأسماء الجغرافية في هذا القسم ترتفع إلى بطلميوس ولكن هناك أسماء أخرى لم يمكن تحديدها بدقة إلى الآن 116 . وعلى الرغم من هذا النقد الشديد فإن هذا القسم بدوره لا يخلو من بعض النتائج الإيجابية ؛ وتعليقات فيران على الجزء الخاص بالهند 117 يؤكد إمكانية الحصول على معطيات قيمة في وصف تلك البلاد ترتفع في معظمها إلى الجيهانى 118 « * » ، وقد لا يؤدى أحيانا تحليل مادة الإدريسى إلى نتائج قاطعة فالنتف التي أوردها عن الغز Guzz والتي ترجمت منذ عهد غير بعيد ( القسم الثامن من الإقليم الخامس ) 119
--> ( * ) نشر وترجم الجزء المتعلق بالهند العلامة الهندي مقبول أحمد الأستاذ بجامعة عليكرة . ( المترجم )